" قل للغياب : نقصتني ..وأنا حضرت لأكملك ..."
لا زلتُ مذ اعلن الخبر اشعر بالطعم المر في اخر حلقي ... ولا زالت افكاري مشوشة وغير واضحه .. أو انها لو تنتظم في صف طويل لتوضحت بدلا من تكومها فوق بعضها وتداخلها الى حد كبير مشكلة غيمة سوداء تشوش عقلي ...
يا صاحب الصورة التي تبدو كئيبة في ظل توقد الشمعه الباهت وانعكاس الظلال عليها .. يتحرك اللهيب البرتقالي حين اخرج انفاسي المتعبه ويحرك معه يديك اللتين اطبقت كفيهما على بعض وقربتهما من وجهك ، ونظارتك تبدو اكبر كأن اللهيب يكبر اطارها مخفيا بريق عينيك خلف العدسات ، ويجول في ذهني تساؤل غريب : ماذا وضعت في حقيبتك في رحلتك الاخيرة ؟؟هل وضبتها كما توضبها عادة : فوضعت بعص القمصان المكوية بالوان فاتحه ، وبنطال او اثنين غامقين بالاضافة الى الجاكيتيات التي تتناسب معها ...وبالتأكيد بعض الغيارات الداخليه ، وضعت دفترا وقلما ، وحملت كتابا كنت قد بدأت لتوك بقرائته ، لكنك لن تضعه في الحقيبة ستحمله في يديك ، لانك بحاجة لان تشغل الوقت الذي ستمضيه بالطائرة،فرشاة اسنان ومشط وربما زجاجة عطر برائحة البرتقال ..
"أنا حبة القمح التي ماتت...لكي تخضر ثانية ......"
ام تراك علمت بالوجهة النهائية لهذه الرحلة فحضرت ما يلزم ؟؟ فغلفت الموت في قماشة بيضاء برائحة الكافور ، وايضا كنت مصرا كالعادة ان تضع دفترا ، لكن باوراق بيضاء من البداية الى النهاية ، ولم تضع قلما !! ولعلك اخذت حفنة من تراب البروة و وسادة من اوراق الزعتر، لربما ان لم تستطع العودة هناك تغطيت بحفنة التراب وتوسدت مخدة الزعتر فتكون قريبا ان منعوا جسدك من ان يزرع في الوطن لآخر مرة ..."فاذهب بعيدا في الغمام وفي الزراعة لا وقت للمنفى وأغنيتي سيجرفنا زحام الموت فاذهب في الرخام "في البلاد البعيدة الباردة ، كيف كان شعور الابتعاد مظلما ، كأنك تتوغل في نهابة النفق المظلم ولا ترى نورا في نهايته ، وعندما تمددت في سريرك الابيض هل شعرت بالحنين الى حضن الام التي تجمع يديها في دعاء متواصل لك ، وشممت من تلك اليدين رائحة خبز التنور والقهوة ..؟؟ ام ان حواسك كانت معطله !! وذهنك المتخم ... ماذا كان اخر ما يملأه ؟؟ اهو مقطع من قصيدة اخيرة ... ام بيت من شعر قديم !! ام تراه كان صافيا كصفحة بيضاء ؟؟؟
" أَثر الفراشة لا يُرَى أَثر الفراشة لا يزولُ هو جاذبيّةُ غامضٍ يستدرج المعنى، ويرحلُ حين يتَّضحُ السبيلُ "
انظر اليك مسجى على طاولتهم الصلبه .. واراهم يشقون صدرك بمبضع معقم ، ولعلهم عجبوا عندما رأو تلك الاثار الكثيرة لعشرات الجروح في صدرك المتعب !! أرى نظرات الذهول عندما فوجؤا بموضع قلبك فارغا خاليا ..لم يعلموا انك قد ارسلته في طرد بريدي مستعجل الى بريد الوطن الحميم ، عجزوا عن فعل اي شيء فاعادو اغلاق الجرح وخيطوه بعدة قطب ، واعلنوا موتك الذي كنت سبقتهم الى اعلانه ...!!! ومن نافذة المستشفى طارت فراشة صوب البلاد الغائبة ..!!
" واعشق عمري لأني اذا مت أخجل من دمع امي ..."
قلبك وصل الى امك ..متعبا ،لكن يخفق بشوق عظيم ، وفي تابوتك الخشبي احمرت وجناتك بحمرة خجولة حين غسلت ذلك القلب دموع الام المفجوعة برحيل الطفل الذي غادر ذات مساء مودعا حبيبته ذات الضفائر الطويلة ..وترك البندقية مسجاة كجثة امام عتبة بيتها في الكرمل ..!! وعلى امتداد تراب الوطن المشتت الموزع في المنافي راح الجميع يتمتم تكبر تكبر فمهما يكن من جفاك ستبقى بعيني ولحمي ملاك ..وتبقى كما شا ء لي حبنا ان اراك نسيمك عنبر وارضك سكر ... وأحسوا بطعم السكر يكبر في افواههم ...!!
" وحين اعود الى البيت وحيدا فارغا ، الا من الوحده ..يداي بغير امتعة وقلبي دونما وردة ..."
عدت اخيرا..اطلت السفر ... ووزعت العديد من اجزائك في الشتات المرهق ، الجسد يمشي بوقع خطوات عسكرية جنائزية ..يرافقها صوت خبب حصان تركته يركض وحيدا على شطآن بيروت ، كيف كنت ترى اجزاء وطنك عبر الواح الخشب المحيطة بك ؟؟ وكيف غمرك دفء الجموع التي حضرت لوداعك .. ؟؟ وأين استطعت ان تلمح وجه امك بملامحه التي عجنها الحزن والاسى تناظر تابوتك بلهفة تريد ان تضمك مرة اخيرة الى صدرها الدافيء لتموت مرة اخيرة عليه ..!!
"الآن في المنفى ..نعم في البيت في الستين من عمر سريع يوقدون الشمع لك فافراح باقصى ما استطعت من الهدوء ، لان موتا طائشا ضل الطريق اليك ..!!"
يأخذ الموت على جسمك شكل المغفرة .. ونودعك آخر حضن .. نتركك في يد اخر حبيبة عشقتها وغنيت لها من منافيك الكثيرة .. نسجيك في تلة .. تحت سنديانة تطل على القدس ، ونغني بصوت جماعي تصبح على وطن ... !! هل تسمع صوت مارسيل ..انه يوزع الحانه في الارجاء الواسعة .. يلوح لك على اوتار عوده وينشد بصوت غائم يطير الحمام يحط الحمام ..يحط الحمام على قبرك اخيرا ..
والان اذ تصحوا ... تذكر رقصة البجع الاخيرة ..هل رقصت مع الملائكة الصغار وانت تحلم ؟؟هل اضاءتك الفارشة عندما احترقت بضوء الوردة الابدي ؟؟هل ظهرت لك العنقاء واضحة ..وهل نادتك باسمك ؟؟هل رأيت الفجر يطلع من اصابع من تحب ؟؟وهل لمست الحلم باليد ، أم تركت الحلم وحيد يجلم وحده ،حين انتبهت الى غيابك بغتة ؟؟؟